محمد كرد علي
120
خطط الشام
بملك الوقف ، ثم لعبت بها الأيدي ، فانتقلت من ملك الوقف الصرف إلى ملك مختلسها المعتدي الأثيم . أما إذا لم يمض عليها مرور الزمن ، وكانت معلومة الحدود والبقعة ، فيجب حتما على دواوين الأوقاف إقامة الدعوى على المختلس أو ورثته ، كما يجب عليها التنقيب على ما كان من هذا القبيل . والمرجع في الاهتداء هو سجلات المحاكم الشرعية وكتب الواقفين . والواجب على دواوين الأوقاف الإيعاز إلى نظار الأوقاف الأهلية والخيرية الملحقة بإبراز كتب الواقفين فيما إذا لم يعثر عليها بين سجلات المحاكم الشرعية ، وإنذارهم بوضع اليد على الوقف إذا أبطأوا بالإبراز . أما النوع الأول فهو أسهل إنفاذا من العقارات الموقوفة الريع ، لأن ما اختلس من نحو المساجد أو المدارس أو المقابر وانقلب حوانيت أو دورا أو حدائق أو غير ذلك ، وأضحى ملكا صرفا للمختلسين أو ورثتهم أو المبتاعين منهم مطموسة ، لتبدل شكل المدرسة مثلا بعد اختلاسها وطمس معالمها ، فإن كانت آثارها لا تزال قائمة كالقباب والقبور والمحاريب فعلى دائرة الأوقاف التذرع بالوسائل القانونية لإنقاذها من المختلسين ، وإن تبدل شكلها ومحي رسمها ، وجهلت حدودها ، ومضى عليها مرور الزمن ، وانقطع الأمل من إرجاعها فهي برقبة مختلسيها . ومصباح الهداية المنير إلى المعابد والمعاهد المختلسة والمدارس الدارسة والمقابر المندرسة ، هو كتب تواريخ المدن الشامية والرسائل والأسفار الموضوعة في الخطط والآثار . وما دعا إلى هذا العبث بأعيان الأوقاف وريعها إلا فقدان وازع يزع القائمين بهم ، أو مؤثر أدبي يردعهم ، أو رأي عام يكبح جماحهم ، أو مؤاخذة حكومة تضرب على أيديهم . ولم نسمع ولم نشهد في ربوعنا أن ناظر وقف خائن مختلس عوقب بسجن أو تعزير وتشهير ، أو بتضمين ومصادرة ، بل جل ما شهدناه في عصرنا الحاضر أن الناظر الضعيف إذا ظهر أثناء محاسبته أدنى شبهة أو خيانة ينحى عن العمل ويساق إلى المحكمة الشرعية ، وهي إما أن تحكم بعزله ، وإما أن تبرئ ساحته وهو الأغلب ، لأن مؤثرات الشفاعة والحنان ونحوهما تعمل عملها . وأما الناظر القوي فلا يسأل عما يفعل . وربما أعين على ظلمه وخيانته واختلاسه مع التبجيل والتوقير ! . وإذا كتب لدواوين الأوقاف حظ من التجدد والإصلاح ، فالواجب